ابن قتيبة الدينوري

54

تأويل مشكل القرآن

وإنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا ، لأن السّعداء حين يموتون يصيرون بما شاء اللّه من لطفه وقدرته ، إلى أسباب من أسباب الجنة ، ويتفاضلون أيضا في تلك الأسباب على قدر منازلهم عند اللّه : فمنهم من يلقّى بالرّوح والرّيحان ، ومنهم من يفتح له باب إلى الجنة ، ومنهم الشهداء أرواحهم في حواصل طير خضر تعلق في الجنة . أي تأكل ، قال الشاعر « 1 » : إن تدن من فنن الألاءة تعلق وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين يطير مع الملائكة في الجنة . واللّه يقول : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) [ آل عمران : 169 ] . أفما ترى أنهم عندنا موتى وهم في الجنة متّصلون بأسبابها ؟ فكيف لا يجوز أن يستثنى من مكثهم فيها الموتة الأولى ؟ . وأما قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) [ مريم : 96 ] ، فإنه ليس على تأوّلهم ، وإنما أراد أنه يجعل لهم في قلوب العباد محبّة . فأنت ترى المخلص المجتهد محبّبا إلى البرّ والفاجر ، مهيبا مذكورا بالجميل . ونحوه قول اللّه سبحانه في قصة موسى صلّى اللّه عليه وسلّم : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [ طه : 39 ] ، ولم يرد في هذا الموضع أني أحببتك ، وإن كان يحبه ، وإنما أراد أنه حبّبه إلى القلوب ، وقرّبه من النفوس ، فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون ، حتى استحياه في السّنة التي كان يقتل فيها الولدان . وأما قوله : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ( 9 ) [ النبأ : 9 ] ، فليس السّبات هاهنا : النوم ، فيكون معناه : وجعلنا نومكم نوما . ولكن السّبات الراحة : أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم . ومنه قيل : يوم السبت ، لأن الخلق اجتمع في يوم الجمعة ، وكان الفراغ منه يوم السبت ، فقيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم ، ولا تعملوا شيئا ، فسمّي يوم السبت ، أي يوم الراحة . وأصل السبت : التّمدّد ، ومن تمدّد استراح . ومنه قيل : رجل مسبوت ، ويقال : سبتت المرأة شعرها : إذا نقضته من العقص وأرسلته . قال أبو وجزة السّعدي « 2 » :

--> ( 1 ) صدر البيت : أو فوق طاوية الحشى رمليّة والبيت من الكامل ، وهو للكميت في تاج العروس ( علق ) ، وليس في ديوانه . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في أمالي المرتضى 2 / 15 ، وتفسير البحر المحيط 8 / 409 .